عمي بيشتغل جزار وكل جمعه يجبلنا 15 كيلو لحم
بحالهم للاسبوع ،وكل ما امي تقوله اللحم ده مبيستويش بسهوله يقولها اصل ده بقر اسكتلندي بستورده مخصوص ، لكن في عزومة العيله اول ما عمي داق منه انفجر في قئ متواصل وكان هيموت من الرعب!!!!!
من خمس سنين لما ابويا اتوفى كان عمري وقتها يادوب ١٣ سنه، وماما ست غلبانة ملهاش في الدنيا غيرنا، وأخويا الصغير كان لسه بيحبي. الدنيا اسودت في وشنا، وحسينا إننا في مركب بتغرق ومفيش طوق نجاة، لحد ما ظهر عمي "عبد الصمد".
عمي عبد الصمد ده كان أخو بابا الكبير، راجل ملو هدومه، شهم وطيب وحنين بشكل ميتوصفش. من يوم العزا وهو حلف يمين عظيم إننا في رقبته ليوم الدين، وإن غياب أخوه مش هيحسسنا بأي نقص. وفعلاً، كان هو السند، بيخلص لنا كل ورق المعاش، بيعدي علينا يوماتي يطمن، وأي مشوار أو مصلحة كان هو اللي بيقف فيها.
عمي بيشتغل جزار وكل جمعه يجبلنا 15 كيلو لحم
عمي شغال جزار، عنده محل كبير، وعشان كده كان كل يوم جمعة بعد الصلاة، نلاقي الباب بيخبط، وعمي داخل علينا بكيسين بلاستيك كبار، وزنهم مبيقلش عن ١٥ كيلو لحمة حتة واحدة!
ماما في الأول كانت بتتكسف جداً، وتقعد تضحك وهي مكسوفة وتقوله: "يا أبو محمد ده كتير.. كتير قوي يا خويا، حتى كفاية سبعة كيلو، ده لو هناكل كل يوم لحمة إحنا في الأول والآخر تلت أنفار يعني، هيقعدوا يعملوا إيه في التلاجة كل ده؟"
كان يرد عليها بضحكة واسعة وكرم: "يا أم سيف متكسفينيش، ده يادوب يكفوكم الأسبوع، أنا عايزكم تعملوا كل اللي نفسكم فيه، كلوا واتغذوا، لحم أخويا مياكلش من بره أبداً طول ما أنا فيا نفس."
كنا بنفرح طبعاً، بس الصراحة.. اللحم بتاع عمي ده كان غريب شوية. كان أحمر صافي، مفيهوش نقطة دهن بيضا ولا عروق، وشكله يختلف عن أي لحمة بنشوفها عند الجزارين. والمشكلة الأكبر كانت في تسويته، ماما كانت تحطه على النار من الضهر، ميستويش ويبقى دايب غير على العصر! ياخد بالتلث والأربع ساعات غليان على النار عشان نقدر نمضغه.
ولما ماما كانت تسأله: "يا عبد الصمد هي اللحمة دي بتطول كده ليه على النار؟ أنا بهلك أنبوبة البوتاجاز عليها!"
كان يضحك بفخر وينفخ صدره ويقولها: "يا ستي إنتي مش فاهمة، أصل ده بقر اسكتلندي، أنا بستورده مخصوص من بره، مفيش جزار في البلد بيجيبه غيري، اللحم ده صحي جداً ومفيش في طعامته، عشان كده بياخد سوا شوية، بس كلوه وادعولي."
عمي بيشتغل جزار وكل جمعه يجبلنا 15 كيلو لحم
الجمعة اللي فاتت، كان عندنا عزومة كبيرة، لمة العيلة كلها عندنا. ماما عزمت عمي عبد الصمد، وخالي ومراته وعياله، وعمتي وعيالها. البيت كان مليان دفا وضحك وريحة الطبيخ جايبة لآخر الشارع. اللحمة اللي عمي كان جايبهالنا كانت كتير، وماما طلعت كمية محترمة وعملت صواني وطواجن.
وإحنا ملهيين في المطبخ، الباب خبط، فتحت لقيت عمي عبد الصمد جاي بدري شوية. دخل المطبخ وبص حواليه، وبعدين مد إيده واداني كيس أسود صغير فيه يجي كيلو لحمة، ووطى صوته وقالي:
"خدي يا بنتي، اللحمة دي اطبخيها ليا أنا في حلة صغيرة بعيد عن اللحم بتاعكم اللي هتطبخوه."
استغربت وقولتله: "ليه يا عمي؟ ما إحنا طابخين لحمة كتير من اللي إنت جايبهالنا والخير ياما."
رد بسرعة: "أصل أنا مباكلش اللحم المستورد ده، بيجيبلي حرقان في معدتي وحموضة بتموتني، فالكيلو ده أنا اشتريته من جزار صاحبي بيدبح عجول مصرية بلدي، اطبخيهولي لوحدي عشان أقدر آكل معاكم."
أخدت منه الكيس وقولتله: "حاضر يا عمي من عينيا."
وفعلاً، حطيت اللحمة بتاعته في حلة صغيرة على عين البوتاجاز اللي ورا، وسبتها تستوي. بعد ساعتين، كنت بظبط الأكل، وجيت أنزل حلة عمي من على النار عشان أغرفله.. إيد الحلة كانت سخنة نار، الفوطة زحلقت من إيدي، وفي لحظة، الحلة فلتت ووقعت كلها على الأرض! الشوربة المغلية طرطشت في كل حتة، واللحمة اتكبت على بلاط المطبخ، وأنا يادوب نطيت لورا بأعجوبة قبل ما الشوربة تسلخ رجلي.
على صوت الخبطة ماما جريت مفزوعة: "يا لهوي! إيه اللي حصل يا بنتي؟ إنتي كويسة؟"
ولما اتأكدت إني سليمة، بصت للحمة اللي في الأرض ولطمت على صدرها: "يا نهار اسود، هنعمل إيه في عمك دلوقتي؟ نغسل اللحمة دي ونطبخها تاني ولا نعمل إيه؟"
قولتلها بثقة بتاعة عيال: "نغسل إيه يا ماما دي باظت خلاص، متشيليش هم، أنا هصبله من اللحم الاسكتلندي بتاعنا في طبق لوحده ومستحيل يلاحظ الفرق."
ماما خافت وقالتلي: "يا بنتي لا، لاحسن معدته تتعبه زي ما قالك."
ضحكت وقولتلها: "يا ماما متخافيش، على ضمانتي! هو بيتعب بس عشان هو 'معتقد' إن اللحم المستورد بيتعب، ده مجرد وهم نفسي.. لو أكل وهو ميعرفش، والله ما هيحس بحاجة ولا معدته هتوجعه."
عمي بيشتغل جزار وكل جمعه يجبلنا 15 كيلو لحم
وفعلا، العيلة كلها اتجمعت، السفرة اتفرشت، والكل قعد يهزر ويضحك. صبينا الأكل للكل، وحطيت قدام عمي طبق مليان لحمة من بتاعتنا. وهو بيمسك المعلقة، شدني من دراعي وهمس في ودني: "دي اللحمة البلدي اللي جبتهالك؟"
بلعت ريقي بتوتر وابتسمت: "آه يا عمي، طبختها في حلة لوحدها زي ما قولتلي."
ابتسم واطمن، وسمى الله وبدأ ياكل بشهية مفتوحة.
القعدة كانت كلها هزار، عمتي بتبص للسفرة المليانة وبتضحك وتقول لماما: "إيه يا أم سيف العز ده كله؟ كل دي لحوم وصواني؟ مين مسك قلبك وخلاكي تصرفي كده؟"
ماما بصت لعمي بامتنان وقالت بضحك: "هو أنا لولا اللحم اللي بيجيبهولنا عبد الصمد كتر ألف خيره ماكنت عرفت أعزمكم، ده بيجيب كتير وفايض كمان، ربنا يخليهولنا."
خالي أمن على كلامها وقال: "آه والله، ربنا يكرمه ويوسع رزقه، ده بيجيبلنا كلنا ومغرقنا."
وعمتي كملت: "ده حبيبي وأخويا، مش مخليني أحتاج أروح لجزار أبداً والله."
عمي كان عمال ياكل من طبقه، بيمضغ اللحمة باستمتاع، ومسح بقه بمنديل وقال بفخر : "طول ما أنا عايش وعلى وش الدنيا بإذن الله، مش هخليكم تحتاجوا تشتروا كيلو لحمة واحد من بره، إنتو لحمكم من دمي."
الكل قعد يدعيله من قلبهم، وهو كان في قمة سعادته.
بعد ما خلصنا أكل، شلنا الصواني ونضفنا السفرة، وعملنا الشاي وبدأنا نشرب وإحنا بنتفرج على التليفزيون وبنضحك. بصيت لعمي ولقيته قاعد مرتاح ومبسوط، فقلت أهزر معاه وأثبتله إن كلامي كان صح.
قربت منه وقولتله بضحك ومكر: "إيه يا عمي؟ حاسس بحاجة وجعاك؟ معدتك فيها حرقان؟"
استغرب سؤالي وقالي وهو بيشرب الشاي: "أبداً والله يا بنتي، ده أنا أصح يوم ليا النهاردة، قعدتكم دي بتشفي العليل."
ضحكت بصوت عالي وقولتله: "أصل أنا عملت حاجة ومقدرش أنام وأنا مخبياها عليك.. بصراحة، اللحمة البلدي اللي إديتهاني الحلة بتاعتها وقعت مني واتكبت، فصبيتلك من اللحم الاسكتلندي بتاعنا اللي طبخناه لينا! الحمد لله أهو إن مجالكش حرقة معدة ولا حموضة ولا حاجة، وطلعت نفسية بس!"
كنت مستنياه يضحك، أو حتى يشتمني بهزار... بس اللي حصل كان مرعب.
الكوباية وقعت من إيد عمي اتدشدشت على الأرض. وشه اللي كان بيضحك من ثانية، لونه اتخطف.. بقى أصفر، عينيه وسعت بشكل مخيف كأنها هتخرج من مكانها، والدموع اتجمعت فيها بسرعة غريبة.
بصلي برعب، وقرف شديد وارتجاف قال:
"إنتي... إنتي أكلتيني من اللحم اللي بجيبهولكم؟!!"
الكل سكت. الضحك اتقطع. أنا مبقتش عارفة أنطق، مفهمتش ليه رد فعله مرعب كده. وفي ثانية واحدة، لقيته قام من مكانه زي المجنون، هجم عليا و مسكني من رقبتي، كان عايز يخنقني بجد، صوابعه كانت بتغرز في لحمي وهو بيصرخ بصوت مش صوته:
"يا بنت الكلب!! يا بنت الكل،ب!!"
الكل اتفاجأ وقاموا يجروا، خالي وعيال عمتي بقوا يحوشوه عني بالعافية، وماما شدتني لحضنها وهي بتصرخ مش فاهمة في إيه. وقبل ما حد يقدر يسأله مالك، عمي سابنا، وجري زي الملسوع على الحمام...
صوت ترجيع عنيف، متواصل .. كان بيتقيأ بقوة كأن روحه بتطلع منه، والرعب.. الرعب الصافي كان محفور على وشه بطريقة عمري، عمري ما هقدر أنساها.
صلي على رسول الله

تعليقات
إرسال تعليق