القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع

ابني عنده عشر سنين رجع من حمام الطيارة وشكله كان مخضوض بطريقة خلتني أقعد مستقيمة فجأة

 ابني عنده عشر سنين رجع من حمام الطيارة وشكله كان مخضوض بطريقة خلتني أقعد مستقيمة فجأة.



وشه كان شاحب، وعينيه مفتوحين على الآخر، وفضل واقف في الممر كام ثانية كأنه محتار يقول لي حاجة ولا لأ.


كنت قاعدة جنب الشباك في رحلة من مدينة لمدينة، وببص على السحاب الرمادي تحتنا.


الرحلة دي كانت المفروض بداية جديدة لينا.


مفيهاش أي دراما ولا حاجة.


كام يوم هدوء بعيد عن الروتين والذكريات اللي كانت بتطاردنا في كل ركن من البيت.


بقالي أنا وابني تقريبًا تلات سنين عايشين وسط أسئلة ملهاش إجابة بعد اختفاء جوزي.


وكنت أخيرًا بدأت أقنع نفسي إن من حقنا نكمل حياتنا.


نضحك تاني.


ونسافر.


ونعمل ذكريات جديدة من غير ما نحس بالذنب.


لكن أول ما ابني وقف جنب الكرسي بتاعي، كل الإحساس بالراحة اختفى.


وطى على ودني وهمس:


"ماما... أعتقد إن بابا قاعد قدام."


فضلت أبص له كام ثانية وأنا مش مستوعبة.


من بين كل الحاجات اللي ممكن يقولها، دي كانت آخر جملة أتوقعها.


أبوه مختفي بقاله حوالي تلات سنين.


اختفى أثناء رحلة صيد في البحر بعد ما الجو قلب فجأة وبقت فيه عاصفة قوية.

ابني عنده عشر سنين رجع من حمام الطيارة وشكله كان مخضوض بطريقة خلتني أقعد مستقيمة فجأة

لقوا المركب بعد كده تايه لوحده من غيره.


جاكته كان موجود.


وتليفونه كمان.


وفرق البحث فضلت أيام تدور عليه وتحاول تعرف إيه اللي حصل.


لكن محدش لقاه.


وفي الآخر انتهى البحث.


وجت الأوراق اللي كنت بدعي كل يوم إني ما أضطرش أمضيها.


وعلى الورق بقيت أرملة.


لكن جوايا الموضوع عمره ما كان بالبساطة دي.


مفيش وداع.


مفيش آخر مكالمة.


مفيش لحظة فهمت فيها فعلًا إنه مش راجع.


وابني كان متأثر بالموضوع أكتر مني.


شهور طويلة بعد اختفائه، كان كل ما يسمع صوت عربية يبص ناحية باب البيت.


وكان أوقات يصحى من النوم مقتنع إنه سمع صوت أبوه تحت.


وحتى بعد السنين دي كلها، أي راجل يشبهه في الطول أو طريقة المشي كان يخليه يقف ويبص مرتين.


فمسكت إيده بهدوء وقلت:


"يا حبيبي، أنا عارفة إنك مشتاق لبابا. ساعات لما بنفتقد حد قوي بنفتكر إننا شفناه في حد تاني."


هز راسه بسرعة.


وكان واضح إنه متأكد من اللي بيقوله.


وقال:


"ماما، الموضوع مش شكله بس."


حسيت بقبضة في معدتي.


بص ناحية الصفوف الأمامية في الطيارة، وبعدين رجع بص لي.


نظرة عينيه خلتني أبطل أحاول أطمنه.


فبصيت أنا كمان قدام.


في الأول ما شفتش غير ضهر الكراسي والركاب.


لكن بعد شوية راجل قدامنا اتحرك في مكانه.


وكم قميصه ارتفع سنة صغيرة.

ابني عنده عشر سنين رجع من حمام الطيارة وشكله كان مخضوض بطريقة خلتني أقعد مستقيمة فجأة

وساعتها شفت أثر جرح قديم في معصمه.


جرح صغير وباهت...


في نفس المكان بالضبط اللي كان عند جوزي.


نفسي اتقطع للحظة.


أكيد صدفة... حاولت أقنع نفسي.


لازم تكون صدفة.


لكن بعدها الراجل رفع إيده التانية وفضل يفرك مكان دبلة الجواز في صباعه الفاضي.


مرة.


وبعدين مرة تانية.


وقلبي بدأ يدق بعنف.


دي كانت عادة عند جوزي.


كل ما يبقى متوتر أو سرحان يعمل الحركة دي من غير ما يحس.


حركة بسيطة جدًا لدرجة إني كنت فاكرة محدش غيري واخد باله منها.


لكن واضح إن ابني لاحظها هو كمان.


بصيت له.


وهو ما قالش حاجة.


ما كانش محتاج.


طول باقي الرحلة فضلت قاعدة مكاني وساكتة.


ما كلمتش الراجل.


بس كنت مراقباه.


ولما الطيارة نزلت، قام أخد شنطته واتجه ناحية الخروج.


مسكت إيد ابني ومشيت وراه بهدوء.


ولحد اللحظة دي ما كنتش عارفة هقول له إيه لو وقفته.


لكن أول ما خرجنا من البوابة، شفت ست بتجري ناحيته وهي مبتسمة براحة واضحة.


ونادت عليه.


بس الاسم اللي قالته...


ما كانش اسم جوزي.


وفي اللحظة دي أدركت إن الأسئلة اللي عشت بيها تلات سنين كاملة...


يمكن تكون مجرد بداية لحقيقة أكبر بكتير.


قال ابني بصوت واطي:


"عنده العلامة اللي في معصم إيده اليمين... نفس العلامة اللي بابا اتصاب بيها لما وقع من بلكونة بيت جدو. ولما الست اللي قاعدة جنبه ضحكت، فرك صباع الدبلة."


في اللحظة دي حسيت معدتي اتقبضت.


لأن الحركة دي كانت من عادات جوزي فعلًا.


كل ما يبقى متوتر، أو متضايق، أو بيحاول يهرب من سؤال مش عايز يجاوب عليه، كان إبهامه يتحرك تلقائيًا فوق المكان اللي كانت فيه دبلة الجواز.


رفعت عيني ناحية مقاعد الدرجة الأولى ببطء.


كان فيه راجل طويل قاعد جنب ست شكلها أنيقة وفي أوائل التلاتينات من عمرها.


لابسة طقم كتان لونه فاتح، وحاطة نضارة شمس كبيرة فوق شعرها الأشقر.


أما الراجل فكان لابس كاب كحلي ودقنه مهذبة.


في البداية، ما كانش فيه أي حاجة تخلي وجوده مستحيل.


مجرد راجل عادي وسط الركاب.


لكن بعد لحظات مد إيده علشان يعدل فتحة التكييف اللي فوقه.


وساعتها شفت الأثر الباهت الصغير جنب معصمه.


وفجأة حسيت إن كل الأصوات اللي حواليا اختفت.


رجعت لي ذكرى قديمة جدًا...


يوم ما كان جوزي مصاب في نفس المكان، وأنا قاعدة أنضف الجرح في المطبخ وهو بيضحك ويقول إني بقلق زيادة عن اللزوم.


ثم مالت الست اللي جنبه وهمست له بحاجة.


ابتسم.


وفي نفس اللحظة اتحرك إبهامه فوق صباع الدبلة الفاضي.


مرة واحدة...


لكنها كانت كفاية.


حبست نفسي وأنا ببص له.


وعقلي كان بيحاول يلاقي أي تفسير منطقي.


هل ممكن يكون مجرد شبه؟

ابني عنده عشر سنين رجع من حمام الطيارة وشكله كان مخضوض بطريقة خلتني أقعد مستقيمة فجأة

هل ممكن تكون صدفة غريبة بشكل مستحيل؟


ولا ابني كان على حق من أول لحظة؟


فضلت مركزة مع الراجل طول الرحلة كلها.


ومع كل حركة كان يعملها، كانت شكوكي بتزيد أكتر.


لكن الحقيقة الكاملة لسه ما ظهرتش.


وما كنتش أعرف إن اللحظة اللي هننزل فيها من الطيارة هتفتح باب أسرار أكبر بكتير من مجرد اختفاء شخص لمدة تلات سنين...


وإن الاسم اللي هسمعه بعد دقائق هيقلب كل اللي كنت مصدقاه رأسًا على عقب.


نزلت من الطيارة وأنا ماسكة إيد ابني بقوة.


الراجل كان ماشي قدامنا ومعاه الست الشقراء.


كل خطوة كنت باخدها وراهم كانت بتزود ضربات قلبي.


لحد ما خرجوا من بوابة الوصول.


الست جريت ناحيته وابتسمت.


"حمد لله على السلامة يا آدم."


آدم؟


وقفت مكاني.


الراجل لف ناحيتها وابتسم.


لكن أول ما بص في اتجاهي، ملامحه اتجمدت لثانية واحدة.


ثانية صغيرة جدًا...


لكنها كانت كفاية.


عرفني.


أنا متأكدة.


شد ابني إيدي وهمس:


"ماما... ده بابا."


قربت خطوة.


وبعدين خطوة تانية.


لحد ما بقيت واقفة قدامه مباشرة.


الست بصت لي باستغراب.


أما هو فكان واقف ساكت.


قلت بصوت مرتعش:


"مين أنت؟"


بلع ريقه.


"أعتقد إن حضرتك غلطانة."


ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع.


"غلطانة؟"


وبعدين أشرت لمعصمه.


"والعلامة دي؟"


نزلت عينه على المعصم بسرعة.


"حادثة قديمة."


قلت:


"وحركة صباع الدبلة؟"


بدأ التوتر يظهر على وشه.


أما ابني فساب إيدي فجأة وجري عليه.


"بابا!"


الراجل اتراجع خطوة للخلف.


لكن الدموع لمعت في عينيه.


وفي اللحظة دي عرفت الحقيقة.


أيًا كان الاسم اللي بيستخدمه دلوقتي...


كان هو.


كان جوزي.


الست بصت بينا كلنا بعدم فهم.


"آدم... إيه اللي بيحصل؟"


سكت ثواني طويلة.


ثم خلع الكاب من على رأسه.


وأغمض عينيه.


"اسمي مش آدم."


الست شهقت.


أما أنا فشعرت إن الأرض بتميد بيا.


رفع عينيه ناحيتي وقال:


"أنا آسف."


اتضح بعد ذلك إن المركب ما غرقش بالشكل اللي الكل افتكره.


كان نجا.


لكن عليه ديون ضخمة ومشاكل خطيرة دخلته في دوامة هروب طويلة.


في البداية كان ناوي يختفي فترة قصيرة فقط.


لكن كل يوم كان بيأجل الرجوع لحد ما بقت الشهور سنين.


وكل ما طال الوقت، بقى الرجوع أصعب.


لحد ما اخترع هوية جديدة بالكامل.


وحاول يقنع نفسه إن حياته القديمة انتهت.


لكن أول ما شاف ابنه في الطيارة، عرف إن الكذبة دي عمرها ما هتكمل.


بكى ابني وهو واقف قدامه.


وبكيت أنا أيضًا.


لكن السؤال اللي رعبني أكثر من أي شيء:

إذا كان حيًا طوال السنين دي... ليه كان بيستخبى؟

رويات احمد عمار 

ابني عنده عشر سنين، رجع من حمام الطيارة وشكله كان مخضوض بطريقة خلتني أقعد مستقيمة فجأة.


أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع